محمد بن محمد ابو شهبة

238

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فقيل : نكح فلان فلانة ، فجلست أنظر ، فضرب اللّه على أذني فو اللّه ما أيقظني إلا مسّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي فقال : ما فعلت ؟ فقلت : لا شيء ، ثم أخبرته الخبر ، فو اللّه ما هممت ، ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني اللّه عز وجل بنبوته » « 1 » . حتى الأمور التي قد يتسامح فيها في عهد الطفولة أثناء اللعب قد صانه اللّه تعالى منها ، قال ابن إسحاق : وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما ذكر لي - يحدّث عما كان اللّه يحفظه به في صغره أنه قال : « لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان ، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة ، فإني لأقبل معهم وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ، ثم قال : شدّ عليك إزارك ، قال : فأخذته وشددته علي ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي ، وإزاري علي من بين أصحابي » وقد سمعت فيما سبق ما حدث له أثناء نقله الحجارة مع أعمامه في بناء الكعبة . بل كان من توفيق اللّه له أنه كان يقف مع الناس بعرفات قبل أن يوحى إليه ، ولا يصنع ما تصنع قريش من عدم وقوفها مع الناس بعرفات ، ووقوفها بالمزدلفة ، فعن جبير بن مطعم قال : « لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن ينزل عليه « 2 » ، وإنه لواقف على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم ، توفيقا من اللّه عز وجل له » « 3 » . رواه أحمد . وكان النبي محل ثقة الناس وأماناتهم ، لا يأتمنه أحد على وديعة من الودائع إلا أدّاها له ، ولا يأتمنه أحد على سر أو كلام إلا وجده عند حسن الظن به ، فلا عجب أن كان معروفا في قريش قبل النبوة « بالأمين » . وقد استمرت هذه الثقة إلى ما بعد النبوة ، ولذلك لما هاجر صلّى اللّه عليه وسلّم أبقى عليا

--> ( 1 ) الشفا بحقوق المصطفى ج 1 ص 106 ؛ والبداية والنهاية ج 2 ص 287 . ( 2 ) أي الوحي . ( 3 ) البداية والنهاية ج 2 ص 289 .